"الصراصير" ومليونير "الإبادة الجماعية"
تواصلت أعمال الإبادة الجماعية التي نفّذها متطرفون من قومية الهوتو، بدعم من الجيش والشرطة في رواندا، لمئة يوم، وأسفرت عن مقتل نحو 800 ألف شخص من التوتسي والمعتدلين من الهوتو.
بدأت أعمال القتل الوحشية في هذه المذبحة الرهيبة في 7 أبريل 1994 في العاصمة كيغالي، بعد يوم من مقتل الرئيس الرواندي آنذاك جوفينال هابياريمانا، الذي كان ينتمي إلى الهوتو، إثر إسقاط طائرته.
على هامش هذه الإبادة، اتُهم رجل أعمال يدعى فيليسيان كابوغا بتمويل أعمال الإبادة الجماعية والمشاركة فيها. وُلد كابوغا وهو من عرقية الهوتو في الأول من مارس 1933، وجمع ثروة طائلة من نشاطه التجاري ومزارع الشاي التي يملكها، وكان يُعتبر أحد كبار الأثرياء في رواندا قبل الإبادة. منذ شبابه، ارتبط بالمتطرفين من الهوتو، وكان من المقربين للرئيس هابياريمانا.
أسس كابوغا محطة "التلال الألف الحرة" للإذاعة والتلفزيون، التي تولت بث خطاب كراهية ضد التوتسي، ووصفتهم بـ"الصراصير"، وحرضت على ملاحقتهم وقتلهم على مدار الساعة، بل ودلّت على عناوين بعض أفرادهم. كما اتُهم بتأسيس "صندوق الدفاع الوطني" الذي جمع الأموال لشراء الأسلحة وتوزيعها على الميليشيات المسماة "إنتراهاموي". زوّد كابوغا عناصر هذه الميليشيات بمئات الآلاف من السواطير والمناجل من أمواله الخاصة، ووفّر لهم وسائل النقل أيضا.
بدأت حشود مسلحة هائجة بإبادة شعب التوتسي بشكل جماعي. فبمجرد أن تبثّ محطة "التلال الألف" المعلومات عن المواقع المحتملة للتوتسي، كان المسلحون يظهرون بسرعة في المكان المحدد لارتكاب القتل والتنكيل. بحسب تقديرات متنوعة، قُتل ما بين نصف مليون ومليون شخص في شهر ونصف فقط.
في الأول من أكتوبر 2004، وبموجب قرار من المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وُجهت إلى فيليسيان كابوغا تهم التآمر لارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، والإبادة الجماعية نفسها، والتواطؤ فيها، والتحريض المباشر والعلني على ارتكابها، بالإضافة إلى جرائم ضد الإنسانية. لكن قضيته تحولت سريعًا إلى قصة بوليسية طويلة، إذ فرّ في يونيو 1994 إلى زائير بعد أن باءت محاولاته للدخول إلى سويسرا بالفشل. لم يُلقَ القبض عليه إلا في 16 مايو 2020 في بلدة أنيير سور سين بالقرب من باريس، بعد 25 عامًا من الهرب.
في 2022، بدأت محاكمته أمام محكمة دولية كان مجلس الأمن قد شكلها عام 2010، لكن المحاكمة علّقت "إلى أجل غير مسمى" في مارس 2023 لعدم أهليته العقلية والجسدية للمثول أمام القضاء.
اللافت في هذا الخضم الدموي الدور الخطير الذي أدته محطة "التلال الألف الحرة" التي كان يملكها كابوغا، وكان طاقم تحريرها يتكون حصريا من ممثلي شعب الهوتو. بثت الإذاعة على مدار الساعة دعاية مليئة بالكراهية ضد شعب التوتسي، ودعت علانية إلى ملاحقتهم وقتلهم بلا رحمة.
لعب معلق سياسي يدعى عناني نكورونزيزا دورا كبيرا في هذه المحطة في التشجيع على القتل والتحريض على العنف الأعمى. من بين الدعاية الدموية التي أطلقها، عبارته الشهيرة: "أعتقد أن الفجر سيبزغ قريبا... سيأتي يوم لن يكون فيه المزيد من الصراصير على أرض رواندا".
كان يستخدم كلمة "إنينزي" التي تعني الصراصير، وهو وصف مهين للتوتسي، معلنا في تهديد رهيب، أن هذه الكلمة "ستنسى إلى الأبد".
فيليسيان كابوغا الذي ناهز 93 عاما لا يزال حتى اليوم قيد الاحتجاز في وحدة متخصصة تابعة للأمم المتحدة في مدينة لاهاي بهولندا. لم يجد أي بلد يستضيفه، كما قضت المحكمة في عام 2025 بأنه غير لائق طبيا لتحمل السفر الطويل.
المصدر: RT
إقرأ المزيد
1650 رصاصة في حشد أعزل.. كيف حوّل البريطانيون مهرجان "بيساخي" إلى مذبحة تاريخية
تعد مذبحة "أمريتسار" التي وقعت في 13 أبريل 1919 بولاية البنجاب بشمال الهند، واحدة من أكثر الأحداث إيلاما ووحشية في تاريخ الحكم الاستعماري البريطاني للهند.
الرسالة الأخيرة قبل دقيقة من غرق غواصة أمريكية!
كانت الغواصة الأمريكية "يو إس إس ثريشر" غواصة هجومية نووية متطورة، تُعتبر رائدة في فئتها، إذ صُممت لتحقيق سرعة أكبر والغوص إلى أعماق أبعد مما كان سائدا في حقبتها.
سلاح "اليوان" في معركة إيران!
يرى خبراء المال أن ربط اليوان المعنوي بالذهب، واستخدامه في تسوية صفقات النفط الإيرانية، يُشكلان خطوات استراتيجية قد تؤثر بعمق في النظام المالي العالمي وميزان القوى الجيوسياسية.
عندما ترجل الإمبراطور لقضاء حاجة فقُضي عليه
جمع الإمبراطور الروماني كاراكلا بين الأصل البونيقي من جهة أبيه الإمبراطور سيبتيموس سيفيروس، والأصل السوري من جهة والدته جوليا دومنا الشهيرة، ابنة مدينة حمص.
نهاية أكبر سفينة حربية في التاريخ!
كانت البارجة اليابانية "ياماتو" إحدى أكبر السفن الحربية في التاريخ، إذ بلغت إزاحتها الكاملة حوالي 72 ألفا و800 طن، وطولها حوالي 263 مترا، وعرضها حوالي 39 مترا.
احتمالات الحرب البرية وشروط طهران لعقد صفقة!
حدد الخبير في الشؤون الأمريكية فلاديمير فاسيليف ما وصفها بعلامات غير مباشرة تكشف عن تصميم الولايات المتحدة على شن عملية برية محتملة في إيران.
هل تترك المعارك الدموية "أثرا روحيا" في الأماكن؟.. قصص تشهد على ما هو أبعد من الخيال
تتردد عبر مختلف مراحل التاريخ، قصص وشهادات عن الأشباح في صور وأشكال متعددة، إلا أن تلك التي تظهر وتتشكل بتأثير الحروب الدموية، تتميز بتأثير أقوى ومعان أكثر عمقا.
الدولار من الرمز إلى العين التي ترى كل شيء!
يبدأ الاحتفال بـ "عيد ميلاد علامة الدولار" سنويا في الأول من أبريل، تخليدا لليوم الذي ابتُكر فيه الرمز "$" الذي يُستخدم عادة للإشارة إلى هذه العملة.
أرواح في أجساد هامدة!
في الحادية والثلاثين من مارس عام 2005، في دارٍ لرعاية المسنين في بلدة بينيلاس بارك بولاية فلوريدا، خيّم الصمت على غرفة كانت لسنوات مسرحا لصراع صامت.
الجثث بقيت على الأرض و"بوابة السماء" لم تُفتح!
بين غبار متطاير في منطقة صحراوية في كاليفورنيا، وتحت سماء واجمة، ظهر لأعين مشدوهة مشهد تجاوز حدود الخيال في لوحة بشعة من أغرب مآسي الموت الجماعي في القرن العشرين.
التعليقات